القرطبي

415

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

من كان قبل ذلك محسنا فإنه يجري عليه ما كان عليه قبل ذلك اليوم ، فذلك قوله تبارك وتعالى : يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً [ الأنعام : 158 ] » . ثم إن الشمس والقمر يكسبان بعد ذلك الضوء والنور ثم يطلعان على الناس ويغربان ، كما كان قبل ذلك يطلعان ويغربان . وذكر الميانشي : وقال عبد اللّه بن عمرو عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ويبقى الناس بعد طلوع الشمس من مغربها عشرين ومائة سنة » . فصل قال العلماء : وإنما لا ينفع نفسا إيمانها عند طلوعها من مغربها ؛ لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تخمد معه كل شهوة من شهوات النفس وتفتر كل قوة من قوى البدن ، فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدنو القيامة في حال من حضره الموت في انقطاع الدواعي إلى أنواع المعاصي عنهم وبطلانها من أبدانهم ، فمن تاب في مثل هذه الحال لم تقبل توبته كما لا تقبل توبة من حضره الموت . قال صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه يقبل توبة العبد ما لم يغرغر » « 1 » . أي : تبلغ روحه رأس حلقه ، وذلك وقت المعاينة الذي يرى فيه مقعده من الجنة ومقعده من النار ، فالمشاهد لطلوع الشمس من مغربها مثله . وعلى هذا ينبغي أن تكون توبة كل من شاهد ذلك أو كان كالمشاهد له مردودة ما عاش ، لأن علمه باللّه تعالى وبنبيه صلى اللّه عليه وسلم وبوعده قد صار ضرورة ، فإن امتدت أيام الدنيا إلى أن ينسى الناس من هذا الأمر العظيم ما كان ولا يتحدثون عنه إلا قليلا ، فيصير الخبر عنه خاصّا وينقطع التواتر عنه ، فمن أسلم في ذلك الوقت أو تاب قبل منه ، واللّه أعلم . وقد قيل : إن الحكمة في طلوع الشمس من مغربها أن إبراهيم عليه السلام قال لنمرود : فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ [ البقرة : 258 ] وإن الملحدين والمنجمين عن آخرهم ينكرون ذلك ويقولون هو غير كائن ، فيطلعها اللّه تعالى يوما من المغرب ليرى المنكرين لذلك قدرته من أن الشمس في قدرته ، إن شاء أطلعها من المشرق وإن شاء أطلعها من المغرب ، وعلى هذا يحتمل أن يكون رد التوبة والإيمان على من آمن وتاب من المنكرين لذلك المكذبين لخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فأما المصدق فإنه تقبل توبته وينفعه إيمانه قبل ذلك ، واللّه أعلم .

--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 2 / 132 ) والترمذي ( 3537 ) وابن ماجة ( 4253 ) ، وحسن الألباني .